الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
405
مختصر الامثل
هو « سمعنا غير مسمع » أو « أسمعنا لا سمعت » أو معناه العربي الآخر ، وهو ما يرجع إلى الرعونة الذي يعني الحمق « 1 » . وقد كان هذا كله بهدف إزاحة الحقائق عن محورها الأصلي بألسنتهم والطعن في الدين الحق ، والشريعة الحقة : « لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِى الدّينِ » . « وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ » . أي : إنّهم إن سلكوا الطريق المستقيم وتركوا كل ذلك اللجاج والعناد ، ومعاداة الحق ، وسوء الأدب ، والجرأة والوقاحة وقالوا : سمعنا كلام اللَّه وأطعنا ، فاستمع إلى كلامنا وأمهلنا لكي ندرك الحقائق إدراكاً كاملًا ، لكان ذلك من مصلحتهم ، وكان في ذلك منفعتهم ، وأكثر انسجاماً وتوافقاً مع العدل والمنطق والعدل والأدب . « وَلكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا » . أي : إنّهم لن يتخلوا عن هذا السلوك الشائن بسرعة ، كيف ؟ وقد ابتعدوا عن رحمة اللَّه بسبب ما هم عليه من كفر وتمرد وطغيان ، وماتت أفئدتهم وتحجّرت بحيث صار من المتعذّر أن تخضع للحق ، وأن تحيا من رقدتها بهذه السرعة ، اللّهم إلّابعضهم ممن يمتلك فؤاداً طاهراً وعقلًا يقظاً ، فهؤلاء هم المستعدون للقبول بالحقائق ، والاستماع إلى نداء الحق والإيمان به . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ( 47 ) مصير المعاندين : تعقيباً على البحث السابق في الآية المتقدمة حول أهل الكتاب ، وجه الخطاب في هذه الإية إليهم أنفسهم ، إذ قال سبحانه : « يَا أيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ءَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدّقًا لِّمَا مَعَكُم » . أي : آمنوا بالقرآن الكريم الذي تجدونه موافقاً لما جاء في كتبكم من العلامات والبشائر .
--> ( 1 ) « راعنا » : إذا اخذت مشتقة من مادة الرعى تكون بمعنى فعل الطلب من المراعاة والمراقبة ، وبمعنى أمهلنا ، وإذا اخذت مشتقة من الرعونة تكون بمعنى « أخذناو اجعلنا حمقى عندك » يقولون ذلك على سبيل الاستهزاء والسب ، ولابد من الالتفات إلى أن راعنا على الوجه الأول تكون بدون تشديد النون ، وعلى الوجه الثاني بتشديد النون ، ويستفاد من جملة من الراوايات أن اليهود كانوا يتعمدون تشديد النون في راعنا ومد آخرها .